حركة
كتبهامجلس الطرب الاحسائي ، في 10 أغسطس 2009 الساعة: 06:02 ص
نقلات عن جريدة الرياض - ثقافة الخميس
حركة
هذه الأصابع على أوتار قيثارة.. وحركتها الخفيفة، كل نقرة وارتفاعها نغم ومسافة للتراجع.. متى وبأي وحي اكتشف الإنسان الموسيقى الكامنة في خيط رفيع.. وفي حدة شدة الخيط، وارتخائه، وفي التنقل بين خيطين أو ثلاثة أو ثمانية على مسافات متفاوتة؟! متى صارت الأشياء تُلاعب مخيلة البشري ليُخرجها للحياة؟ في أي مرحلة من تطور البشرية؟
ربما من السهل اكتشاف الدفوف من ارتطام ما بسطحٍ ما.. مما تُفشيه الريح في توقيعاتها على السطوح…
لكن العود والكمان والقيثارة، وكل ما تُفصحه الأوتار للأصابع البشرية.. كيف انتقل الإعجاز من لوح المُطْلَق للمخيلة البشرية، أي خيط موصول للوح التوزيع والقواطع ذاك؟ ومتى بدأ ذلك الخيط يرجف ويستأثر بحواسنا ويسلبها؟
هذا الجسد البشري، ربما الحنجرة هي أول من أفشى محمول الوتر، وربما دَويُّ الدم في العروق، وربما سريان الريح في خصلات تلك البنت من قصب… رجل قديم استرق لها السمع وحاول تقليدها أو استحضارها في غيبتها، من خصلاته أو من خيوط ثوبه المهتريء، من أمعاء حيوان لم يلبث أن ذبحه لعشاء البارحة.. لأن توقيع الشوق يرن في الأمعاء، هنا أدرك العازفُ الأول أين يسترجع نغمَ محبوبٍ توارى، من أوتار مشدودة بأحشائه…
هذا الجسد ما هو إلا قصبة يعبرها الصمت والصوت، الفراغ والرواء، ويعزف من خلال الفواتح والصوامت، من القصبة التي تتنهد والحنجرة التي تعزف التنهيدة… لذا تستوقفني فاتحة رسائل الدرقاوي، هذا الكتاب الموجز والذي يجد فيه الدعاة مفاتيح الفرج، وإجابات ما لا يُجاب وتحقيق مالا يتحقق وإسكات ما لا يسكت من التوق لما يتجاوزنا؟ وتلك الرسالة الأولى التي تتريث على باب الطهارة. يُغمم شيخ الطريقة الدرقاوية حين يتوقف بالغسل، والشهوات، لا تعرف كيف يُخلط هذا بذاك..
ثم يسترجعك الجسد بصفته أداة الوصل، على فنائه الحتمي يظل الجسد أداة الوصل الكبرى، من توقيع فنائه وبعثه، فنائه وحضوره وتماهيه وحلوله أو انحلاله في الأصل.
تتناول القصبة التي هي الجسد، تصقلها وتجلو فتحاتها، ثم تزيح التراكم عن مجاري المُطْلَق فيها، تترك للنفس جريان، وللروح مجاريها وللطين ترقيقه، للكثافة التي هي حد بين الحضور والتلاشي، كثافة كفيلة بترجيع النغم، حين تندفع الموجودات بأنفاسها بأصدائها في تلك القصبة…
الألم، الدقائق التي هي من ألم خالص حَفَّار، يحفر تلك القصبة ،
الدقائق التي هي من بهجة صافية هي الدوافع، تساهم في سلاسة دفق التيار.. حين تخلو لقصبتك تطفو كل لحظات الألم والفرح للعزف..
التراكم هو عكس الكثافة، الكثافة تطبخ نوعية النغمة وعمقها.. التراكم تجلط، صخور تهوي من أغوار النفس لتسد مجرى التيار.. يتهشم تحت وقعها النغم..
حين تنغرس الإبر الصينية بطول هذا الجسد الراقد أمامي، ألمح رؤوس تلك الإبر تغور في مجرى التيار وتُفتت صخوره، تُنَقِّي المجرى ليٌعاود التوصيل والتدفق للوحه، لأصله، كلنا جريان للأصل…
يتوقف الدرقاوي بالشهوات، هذا الشلال، يهوي من حالق ويقود الماء للأغوار، ويرن نغمٌ بلا قرار… للشلال صعقة وخطف، وقوس تنوير، أقرب لقوس قزح يشق بطن السماء بزهو ويتلاشى… حين يفقد قوس قزح طبيعة النور فيه بفعل الجشع يستحيل لجرحٍ وتتلبد على ضفتيه الأثقال والأصفاد التي ترمى في الجحيم… قوس قزح جسور تنقل من ضفة لضفاف يخترق بك بطول السماء، الجشع انهيار للجسور وصراطها للجحيم..
لذا يتوقف الدرقاوي بحيوية التخفُّف (بالماء وبالزهد وبالترفع لا التفادي والتنصل)، تخفف الباطن والظاهر، للخلوص للقزح، حيث يصير للنية ثقل جبال ولرائحة القَذَى جسد يلبس الجسد البشري بالأصفاد، كلُّ إيجاب تخفُّف وكل سِلْبٍ أصفاد ومهاوٍ..
تخلع الكلمة تجريدها، تخرج الرائحة والمذاق والنوايا من خفائها، لتصير كلها أجساد، يصير من السهل تحليل النية الخبيثة وتتبعها وتقطيرها في زعاف يسري بخلايا الحي..
تكفي لكي يُتَوِّج الدرقاوي رسائله بالطهارة، ليفتتح ببراءة الروح والنفس من التراكمات التي تثقلها، خلع زوائد الظاهر والباطن، لأن الأصل هو التخفُّف، بحيث يصير الجسد بخفة الروح وتصير الروح من مادة الجسد، أي من ماهيته، بحيث لا يتعارض ما يغذي ويُحيي الروح مع ما يٌحيي الجسد (يصير هو أداة تجسدها وهي أداة ترويحه)..
بمعنى أن الخيرة التي تواجهنا تتعاقب بعدد الأنفاس، فتتخيِّر:
لعينك أين تقع وعلام، فالعين تذهب لتستقي وترجع بالسقايا في خِلِعٍ تخلعها على الباطن، نظرة بعد أخرى حتى يركع الجسد بالأثقال أو العكس..
ولليد ايضاً سقاياها، في كل لمسة ترجع بشحنة.. تخترق تياراً بالسلب أو بالإيجاب ويسكن فيك كجسد داخل جسدك..
للجسد غفلة، هي الجوع الذي انفتح بجوف آدم لحظة سرت الروح من عوالي صلصاله لسوافله متريثة بالجوف، حفرة انشقَّت هناك في مقابر تستقطب ثمار الجنة، وانفغرت لتهوي به للأرض، ولا تكف تتأجج، فيخرج آدم للرعي، يسوق أمامه قطيع حواسه، ويرسلها صوب آخر ضربة برق.. إن خان الراعي المرعى جرفته هوات القحط.. وأكلته ذئابها إن هبطت عليه الظلمات.. للراعي أن يتخير مواقيت السراح والرجوع، الغدو والآصال… أن يستكين لظِلَّة فيُسخِّر من قطيعه للحلب وللتوالد وللذبح، كل إفراط في الغفلة إفراط في الذبح.
قل لي مقاله الأولين والآخرين عن الحياة؟
لا تقل هي تلك الظِلَّة الخاطفة والتي ننفرد بها بذاك القطيع، وتكثيره، وجلاء مراعيه… ظِلَّة شجرة تتمدَّد أو تقصر وتنزاح بتواقيع النور…
مناورة النور حول جُمَّة شجرة، معزوفته الخاطفة، هي نحن؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : النقد الموسيقي, طرب أحسائي, مجلة جمعية مطربي الاحساء, مطربين الاحساء | السمات:النقد الموسيقي
دوّن الإدراج
























